سيد محمد طنطاوي

434

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فكيف تطلبون أيها الجاهلون - أن يكون الرسول إليكم ملكا ، وتستبعدون أن يكون بشرا مع أنكم من البشر ؟ ! ! قال الآلوسي : قوله : * ( لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ) * أي : يعلمهم ما لا تستقل عقولهم بعلمه ، وليسهل عليهم الاجتماع به ، والتلقي منه ، وأما عامة البشر فلا يسهل عليهم ذلك ، لبعد ما بين الملك وبينهم . . . » « 1 » . وهذا المعنى الذي وضحته الآية الكريمة - وهو أن الرسول يجب أن يكون من جنس المرسل إليهم - قد جاء ما يشبهه ويؤكده في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : وقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْه مَلَكٌ ، ولَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ . ولَوْ جَعَلْناه مَلَكاً لَجَعَلْناه رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ « 2 » . وقوله - سبحانه - : وما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ « 3 » . وقوله - عز وجل : وما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِه لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . . . « 4 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم للمرة الثانية ، أن يحسم الجدال معهم ، بتفويض أمره وأمرهم إلى اللَّه - عز وجل - ، فهو خير الحاكمين فقال : * ( قُلْ كَفى بِاللَّه شَهِيداً بَيْنِي وبَيْنَكُمْ ، إِنَّه كانَ بِعِبادِه خَبِيراً بَصِيراً ) * . أي : قل لهم في هذه المرة من جهتك ، بعد أن قلت لهم في المرة السابقة من جهتنا : قل لهم - أيها الرسول الكريم - يكفيني ويرضيني ويسعدني ، أن يكون اللَّه - تعالى - هو الشهيد والحاكم بيني وبينكم يوم نلقاه جميعا فهو - سبحانه - يعلم أنى قد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، إنه - تعالى - كان وما زال خبيرا بصيرا . أي : محيطا إحاطة تامة بظواهرهم وبواطنهم ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . وفي هذه الآية الكريمة تسلية للرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه منهم من أذى ، وتهديد لهم بسوء المصير ، حيث آذوا نبيهم الذي جاء لهدايتهم وسعادتهم . وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت بعض الشبهات الفاسدة التي تذرع بها الكافرون

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 173 . ( 2 ) سورة الأنعام الآيتان 8 ، 9 . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 7 . ( 4 ) سورة إبراهيم الآية 4 .